محمد رأفت سعيد

206

تاريخ نزول القرآن الكريم

ولما أراد أن يبقى عمر ليساعده في شؤون الأمة يقول الخليفة لأسامة قائد الجيش وعمر أحد جنوده : إن رأيت أن تعيننى بعمر فافعل رضي اللّه عنهم أجمعين . كان التعليم بالموقف مبكرا وكان التوجيه القولي والعملي مستمرا . ومما تضمنته سورة عبس من المعاني الكريمة بعد الموقف التربوي التعليمي في إعلاء الرجل الأعمى بتقواه وخفض وجهاء القوم باستغنائهم وإعراضهم - يأتي التوجيه بأن هذا الموقف وهذه الآيات وهذا القرآن الكريم تذكرة موجهة إلى الجميع فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) وأقبل عليه واستجاب له إنه فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 ) كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) . وبعد هذا العرض يأتي قوله تعالى في بيان نوعية من الناس تحرم من الخير بعد أن يصل إليها وتنقلب على عقبها فقال تعالى : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 ) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 ) أي لعن وعذّب هذا الإنسان الكافر . روى الضحاك عن ابن عباس قال : نزلت في عتبة بن أبي لهب وكان قد آمن ، فلما نزلت « والنجم » ارتدّ ، وقال : آمنت بالقرآن كلّه إلا النجم ، فأنزل الله جل ثناؤه فيه « قتل الإنسان » أي لعن عتبة حيث كفر بالقرآن ، ودعا عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فقال : « اللهم ابعث عليه كلبك يأكله » فخرج من فوره بتجارة إلى الشام فلما انتهى إلى الغاضرة تذكر دعاء النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، فجعل لمن معه ألف دينار إن هو أصبح حيا ، فجعلوه في وسط الرّفقة ، وجعلوا المتاع حوله ، فبينما هم على ذلك أقبل الأسد ، فلما دنا من الرجال وثب ، فإذا هو فوقه فمزقه ، وقد كان أبوه ندبه وبكى وقال : ما قال محمد شيئا قط إلا كان . وهذا الفريق الكافر المعاند بكبره . . . ألا ينظر إلى خلقه حتى يستحيى ولا يتكبر إنه خلق من ماء مهين ، وفي مكان ضيق ، ويسره الله للخروج إلى الحياة ثم أماته وأدخله القبر والإنسان يشاهد كل هذا فلا ينبغي أن يكذب بما يعده من نشور . وإن دخله شك واستبعاد فلينظر إلى من حفظ له حياته ونماءه بعد أن أخرجه من بطن أمه إنه هو الذي أمده بالطعام فلينظر إلى مظاهر قدرة الله في هذا الطعام ، وأن الذي أحيا الأرض وأخرج الطعام لكم ولأنعامكم هو الذي سيحييكم فلا مجال للكبر ولا مجال للتفاخر ، ولا ينبغي أن يكون الكبر بالمال والعصبية عائقا عن الهداية فإن هذه المظاهر لا